
الفتور عن الطاعة بعد رمضان هو حال كثير من المسلمين.
فعندما ينتهي رمضان، تجد كثيرًا من المسلمين تركوا المساجد، والصدقات، والقرآن، والقيام.
ولهذا الفتور أسباب عديدة سنتعرف عليها فيما يلي:
أولًا، الانحياز والانصات إلى وساوس الشيطان؛ فالشيطان يحاول أن يغوي المسلم عن طاعة الله بعد رمضان ويوهمه أنه أطاع الله كثيرًا في رمضان ويجب أن يستريح بعد رمضان.
وهذا ما سجله القرأن، فقد قال تعالى في سورة النمل “وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ”. كما أن الشيطان عندما يبدأ الوسوسة للمسلم، فإنه لا يقول له “لا تصلي” بشكل مباشر بل يتخذ معه ثلاثة مراحل سجلها القرأن الكريم في سورة النساء هذه المراحل إذا انساق المسلم ورائها، فإنه سيكون عبدًا للشيطان يحركه كيفما شاء ووقتما شاء فقال تعالى “وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا”.
قال الطبري في تفسير هذه الآية، ولأضلنهم تعني أن الشيطان سيبعدك ويلهيك عن كل الطرق التي تؤدي بك إلى طاعة الله مثل الذهاب إلى مساجد، وحلقات الذكر، ومجالس العلم، مجالسة الأصدقاء الصالحين.
كما قال أيضًا، ولأمنينهم تعني أن الشيطان سينسيك الموت وسيرسخ بداخلك أنك لا تزال صغيرًا ولن تموت الآن وكأن الشيطان يقول لك “أنت لا تزال صغيرًا، استمتع بشبابك وأجل التوبة لغد” وهذا ما يُعرف “بإلهاء الأمل” الذي سجله الله في سورة الحجر، فقال تعالى “ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ”.
ثم تأتي بعد ذلك المرحلة الأخيرة التي يكون المسلم فيها قد هُيء لعبادة الشيطان والاستجابة لأوامره ألا وهي “ولأمرنهم”، ففي هذه المرحلة يأمرك الشيطان ويقول لك بشكل مباشر “لا تصلي” وللأسف الشديد ستستجيب له؛ لأنك أطعته منذ البداية.
لذالك، يجب علينا مقاومة الشيطان منذ البداية، ويجب أن نعلم أيضًا أن الشيطان يأتينا من كل حدب وصوب فقال تعالى “ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ”
ثانيًا، الانحياز وراء النفس وشهواتها فالنفس هي سبب هلاك الإنسان بشكل عام والمسلم بشكل خاص وقبل إعطاء الأمثلة، يجب أن ننوه إلى أنواع النفس.
فالنفس ثلاثة أنواع: نفس أمارة بالسوء، ونفس لوامة، ونفس مطمئنة فالنفس الأمارة بالسوء هي النفس التي تجر صاحبها إلى المعصية والنفس اللوامة هي النفس التي تلوم صاحبها على المعصية والنفس المطمئنة هي النفس التي تعين صاحبها على الطاعة وتبعده عن المعصية.
ومن الأمثلة الدالة على أن النفس تهلك صاحبها السامري. فالسامري كان رجلًا مؤمنًا بالله وبنبيه موسى عليه السلام، ثم اتبع شهواته وترك عبادة الله وصنع عجلًا من ذهب؛ ليعبده. ليس ذلك فحسب، بل جعل كل من آمن بنبي الله موسى يعبدون العجل معه ويكفرون بالله الواحد القهار. ولم يكتف السامري بذلك، بل أوهمهم أن ذلك العجل هو الله سبحان وتعالى فقال تعالى في سورة طه “فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٞ فَقَالُواْ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ (88) أَفَلَا يَرَوۡنَ أَلَّا يَرۡجِعُ إِلَيۡهِمۡ قَوۡلٗا وَلَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا (89) وَلَقَدۡ قَالَ لَهُمۡ هَٰرُونُ مِن قَبۡلُ يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوٓاْ أَمۡرِي (90) قَالُواْ لَن نَّبۡرَحَ عَلَيۡهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرۡجِعَ إِلَيۡنَا مُوسَىٰ (91) قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذۡ رَأَيۡتَهُمۡ ضَلُّوٓاْ (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي (93) قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي (94) قَالَ فَمَا خَطۡبُكَ يَٰسَٰمِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي”.
كما أن النفس استعاذ منها نبي الله يوسف عليه السلام وأكد أنها أمارة بالسوء، فقال تعالى في سورة يوسف “إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ”.
ثالثًا، مجالسة أصدقاء السوء. ونستدل هنا بقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي رواه أبو داود والترمذي وأحمد عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال “المرءُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم مَن يُخاللُ”. ومن الأمثال العربية أيضًا “الصاحب ساحب” أي أن الصاحب إما أن يأخذ بيدك إلى طاعة الله وتجتمعا سويًا في الجنة، وإما أن يأخذ بيدك إلى المعصية وتكونا أعداءً في النار يوم القيامة فقال تعالى في سورة الزخرف “الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ”
رابعًا، القنوط من رحمة الله، وهو باب آخر من أبواب الشيطان الذي يحاول إقناع المسلم دائمًا أن الله لن يغفر له ولن يرحمه.
وهنا يجب أن نستدل بقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي رواه الترمذي عن عبد الله ابن عمر – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “إنَّ اللهَ يَقبَلُ توبةَ العبدِ ما لم يُغَرْغِرْ”، وكلمة يغرغر تعني خروج الروح من الجسد. والقرأن الكريم مليء بالآيات التي تتحدث عن رحمة الله وتحث المسلم على التوبة والرجوع إلى الله، ولكن هناك آية واحدة شملت كل الآيات التي تتحدث عن رحمة الله وهي قوله تعالى في سورة الزمر “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ”. وقال الطبري في تفسير هذه الآية “إن الإسراف يعني فعل كل شيء حرمه الله مثل الشرك والقتل والزنى والربا والسرقة والتطفيف في المكيال والميزان”. ولم تتوقف رحمة الله عند هذا الحد، بل إن أرحم بعباده من أبائهم وأمهاتهم. ففي غزوة الطائف، وقع ولد لامرأة أسيرًا عند المسلمين. فأخذت الأم تبحث عن ولدها كالمجنونة وعندما رأته أسيرًا عند المسلمين احتضنته حتى ألزقته بطنها. فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لصحابته “أترون هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟، قلنا: لا والله، فقال: الله أرحم بعباده من هذه بولدها”. بل إن الله الغني المنزه عن أي شيء يفرح بتوبة عبده إليه. ففيما رواه مسلم عن أنس ابن مالك – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال “لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ”
وختامًا، أيها المسلمون، توبوا إلى الله وارجعوا إلى الله وأقبلوا على الله ولا تتوقفوا عن الطاعة بعد رمضان، فإن الله يعبد في كل الأوقات والشهور والأعوام وليس في رمضان فقط. فقد جعل الله لنا شهر رمضان؛ ليكون انطلاقة للطاعة الدائمة والمستدامة بعد التقصير. ربما لا نستطيع فعل ما كنا نفعله في رمضان، اعلم أيها المسلم أن الله كلفك بما تطيق، ففيما رواه البخاري عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها “سئل النبي – صلى الله عليه وسلم – أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومها وإن قل”. فلم يطلب منك الله تصلي في رمضان الفروض والنوافل كاملة ثم تتركهم بعد رمضان، ولم يطلب منك أن تختم القرأن في رمضان ثم تتركه بعد رمضان، ولم يطلب منك أن تتصدق في رمضان ثم تتركها بعد رمضان. اقرأ إن شئت صفحة كل يوم من القرأن وتصدق ولو بالقليل وصل ركعتين نافلة في اليوم الواحد. وللتنبيه، التخفيف يكون في النوافل فقط، أما الفروض فلا عذر لك فيها.
عن الكاتب
موضوعات الكاتب
مقالات19 أبريل، 2024الفتور عن الطاعة بعد رمضان
مقالات15 أبريل، 2024استمرار القيام بعد رمضان
مقالات7 أبريل، 2024شياطين الإنس
مقالات24 مارس، 2024وأنا مالي