
التفاوض هو سياسة سلمية معروفة منذ أن خلق الله البشر، تلك السياسة مبنية على جلوس الأفراد المتنازعة بشكل ودي للتوصل إلى حل للصراع الدائر بينهما، حيث يقوم صاحب الأرض بوضع شروطه ويجب على المعتدي الالتزام بها، ولا يجوز أبدًا أن يفرض المعتدي شروطه على صاحب الأرض. هذا هو التعريف السليم الصحيح للتفاوض منذ قديم الأذل، أما الغرب وضعوا تعريفًا آخر للتفاوض يحق للمعتدي فيه أن يفرض شروطه على صاحب الأرض؛ فأصبح التفاوض سياسة للتنويم الميغناطيسي أو سياسة لإضاعة الوقت والتاريخ العربي مليء بالأمثلة الدالة على ذلك. فما هي الأمثلة الدالة على المعنى الحقيقي للتفاوض؟ وما هي الأمثلة الدالة على المعنى الزائف للتفاوض؟ وما هي العوامل التي ساعدت الغرب على ذلك؟
المعنى الحقيقي للتفاوض والمعنى الزائف للتفاوض
هناك العديد من الأمثلة التي تدل على المعنى الحقيقي للتفاوض منذ القدم مثل معاهدة “صلاح الدين الأيوبي” مع الصليبيين أو ما يُعرف “بصلح الرملة”. تلك المعاهدة التي جاءت بعد صراع طويل بين “صلاح الدين” والصليبيين، حيث حاول الصليبيون احتلال فلسطين عدة مرات أشهرها الحملتان الثانية والثالثة. كانت الحملة الثانية بقيادة “لويس السابع” ملك فرنسا و”كونراد الثالث” ملك ألمانيا، أما الذي دعا إلى الحملة هو البابا “إيجين الثالث”. وكان هدف هذه الحملة هو استعادة مملكة الرها التي سقطت مع سقوط الحملة الصليبية الأولى على يد “عماد الدين زنكي”. وتحركت هذه الحملة عام 1146 ميلاديًا وتمكنت القوات الألمانية لهذه الحملة من الوصول إلى جبال طوروس، وارتكبت العديد من المذابح للمسلمين، ولكنها هُزمت على يد السلاجقة في نهاية الأمر. أما القوات الفرنسية فتمكنت من ارتكاب العديد من المجازر للمسلمين والمسيحيين في شرق أوروبا، ولكنها أيضًا تعرضت إلى خسائر فادحة؛ مما أدى إلى تغيير هدف الحملة من استعادة إمارة الرها إلى إحكام السيطرة على بيت المقدس وحمايتها من المسلمين فسلكا طريقهم من البحر المتوسط ثم أنطاكية ثم بيت المقدس. ولكن فشلت هذه الحملة في النهاية عندما تصدى لها صلاح الدين في موقعة حطين، وكان سبب هذه المعركة هو اعتراض “رينو” أو “البرنس أرناط” أمير الكرك قافلة متجهة من مصر إلى الشام وكانت هذه القافلة تحمل أخت صلاح الدين. كما كان هذا الاعتراض في وقت هدنة بين صلاح الدين والصليبيين، فطلب صلاح الدين من ملك القدس الاعتذار والتعويض ولكنه رفض. فكان يوم السبت الخامس والعشرين من ربيع الآخر عام 583 هـ الموافق الرايع من يوليو عام 1187 م هو يوم نهاية سيطرة الصليبين على القدس في معركة حطين، حيث استطاع صلاح الدين أن يلحق بالصليبيين شر هزيمة. أما الحملة الثالثة التي قام بها الصليبيون؛ لاستعادة القدس كانت بقيادة “فريدريك الأول” إمبراطور ألمانيا و”فيليب الثاني أغسطس” ملك فرنسا و”ريتشارد قلب الأسد” ملك إنجلترا عام 1189 ميلاديًا. وتحركت القوات الألمانية من مسينا في الثلاثين من مارس عام 1191 ميلاديًا ولحقت بها القوات الفرنسية بعد عشرة أيام، أما القوات الإنجليزية فتمكنت من احتلال جزيرة قبرص التي أمدتها بالدعم العسكري لمدة عام كامل أثناء الحرب مع “صلاح الدين”. وتمكنت هذه الحملة من احتلال عكا في الحادي عشر من يوليو عام 1191 ميلاديًا. ونتجت هذه الحملة عن توقيع “صلح الرملة” عام 1192 بين صلاح الدين والصليبين الذي نص على بقاء كل من يافا وقيسارية وحيفا وعكا وأرسوف في أيدي الصليبين، وتبقى اللد والرملة مناصفة بين الطرفين، وتبقى بيت المقدس في أيدي المسلمين وللمسيحين الحق في زيارتها، وكانت مدة هذا الصلح ثلاث سنوات وثمانية أشهر.
أما الأمثلة الدالة على المعنى الزائف للتفاوض فحدث ولا حرج، فقد حدث هذا مع “عمر المختار” أسد الصحراء بعد الانتصارات الكبيرة التي حققها على الاحتلال الإيطالي للأراضي الليبية والخسائر الكبيرة التي ألحقها في صفوف الإيطاليين، حيث قامت إيطاليا بتعيين “بييترو بادوليو” حاكمًا عسكريًا لليبيا. وتظاهر “بادوليو” برغبته في إقامة السلام مع “المختار”؛ فدعى “المختار” للحوار في العشرين من أبريل عام 1929، واستجاب “المختار” لذلك، وعُقد الاجتماع في التاسع عشر يونيو عام 1929 في سيدي أرحومة. ولكن لم تكن نية إيطاليا هي السلام، بل أرادت فقط كسب الوقت لإلهاء “المختار” عن القتال حتى تحضر أسلحتها الحديثة والفتاكة من روما. والدليل على ذلك هي بنود تلك المفاوضات حيث طالب “المختار” بإعادة فتح المدارس العربية، وإطلاق سراح الأسرى، والتوقف عن اقتحام القرى والنجوع، بينما طالب “بادوليو” مهلة لإخبار إيطاليا بهذه الشروط ورفضت إيطاليا هذه الشروط رفضًا قطعيًا وعرضت على المختار رشوة تقضي بتقديم راتب تقاعدي مغرٍ للمختار مقابل تسليم السلاح ووقف القتال. وبالطبع رفض المختار ذلك وعاد لقتال إيطاليا ثانية؛ إلى أن سقط أسيرًا في يد الإيطاليين وأُعدم عام 1931.
عن الكاتب
موضوعات الكاتب
مقالات19 أبريل، 2024الفتور عن الطاعة بعد رمضان
مقالات15 أبريل، 2024استمرار القيام بعد رمضان
مقالات7 أبريل، 2024شياطين الإنس
مقالات24 مارس، 2024وأنا مالي